ابن عطية الأندلسي

204

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال القاضي أبو محمد : وهذا خطأ ممن رواه أو ظنه لأن أباه مات وهو في بطن أمه ، وقيل وهو ابن شهر ، وقيل ابن شهرين ، وماتت أمه بعد ذلك بخمس سنين منصرفة به من المدينة من زيارة أخواله ، فهذا مما لا يتوهم أنه خفي عليه صلى اللّه عليه وسلم ، وقرأ باقي السبعة « ولا تسأل » بضم التاء واللام ، وقرأ قوم « ولا تسأل » بفتح التاء وضم اللام ، ويتجه في هاتين القراءتين معنيان : أحدهما الخبر أنه لا يسأل عنهم ، أو لا يسأل هو عنهم ، والآخر أن يراد معنى الحال كأنه قال : وغير مسؤول أو غير سائل عنهم ، عطفا على قوله بَشِيراً وَنَذِيراً ، وقرأ أبي بن كعب « وما تسأل » ، وقرأ ابن مسعود « ولن تسأل » ، وهاتان القراءتان تؤيدان معنى القطع والاستئناف في غيرهما ، و الْجَحِيمِ إحدى طبقات النار . ويقال : رضي يرضى رضى ورضا ورضوانا ، وحكي رضاء ممدودا ، وقال : مِلَّتَهُمْ وهما مختلفتان بمعنى لن ترضى اليهود حتى تتبع ملتهم ولن ترضى النصارى حتى تتبع ملتهم ، فجمعهم إيجازا ، لأن ذلك مفهوم ، والملة الطريقة ، وقد اختصت اللفظة بالشرائع والدين ، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه . وروي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الهدنة ، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعا منهم ، فأعلمه اللّه تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم ، وأطلعه على سر خداعهم . وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي ما أنت عليه يا محمد من هدى اللّه الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي ، لا ما يدعيه هؤلاء . ثم قال تعالى لنبيه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الآية ، فهذا شرط خوطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته معه داخلة فيه ، و « أهواء » جمع هوى ، ولما كانت مختلفة جمعت ، ولو حمل على إفراد الملة لقيل هواهم ، والولي الذي يتولى الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة ، و نَصِيرٍ بناء مبالغة في اسم الفاعل من نصر . وقوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الآية ، الَّذِينَ رفع بالابتداء ، و آتَيْناهُمُ الْكِتابَ صلة ، وقال قتادة : المراد ب الَّذِينَ في هذا الموضع من أسلم من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، و الْكِتابَ على هذا التأويل القرآن ، وقال ابن زيد : المراد من آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم من بني إسرائيل ، و الْكِتابَ على هذا التأويل التوراة ، و آتَيْناهُمُ معناه أعطيناهم ، وقال قوم : هذا مخصوص في الأربعين الذين وردوا مع جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه في السفينة ، فأثنى اللّه عليهم ، ويحتمل أن يراد ب الَّذِينَ العموم في مؤمني بني إسرائيل والمؤمنين من العرب ، ويكون الْكِتابَ اسم الجنس ، و يَتْلُونَهُ معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي ، وقيل يَتْلُونَهُ يقرءونه حق قراءته ، وهذا أيضا يتضمن الاتباع والامتثال ، و يَتْلُونَهُ إذا أريد ب الَّذِينَ الخصوص فيمن اهتدى يصح أن يكون خبر الابتداء ويصح أن يكون يَتْلُونَهُ في موضع الحال والخبر أُولئِكَ ، وإذا أريد ب الَّذِينَ العموم لم يكن الخبر إلا أُولئِكَ ، و يَتْلُونَهُ حال لا يستغنى عنها وفيها الفائدة ، لأنه لو كان الخبر في يَتْلُونَهُ لوجب أن يكون كل مؤمن يتلو الكتاب حَقَّ تِلاوَتِهِ ، و حَقَّ مصدر ، والعامل فيه فعل مضمر ، وهو بمعنى أفعل ، ولا يجوز إضافته إلى واحد